رأت مجلة "ذي أتلانتك" الأمريكية أن مسار الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يخضع لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل أصبح النظام الإيراني هو الطرف الذي يفرض إيقاع المواجهة ويحدد شروطها. واعتبرت المجلة أن الاتفاق الذي راهنت عليه الإدارة الأمريكية لم يكن سوى "فانتازيا" آمن بها ترامب، قبل أن تتبدد مع تطورات الميدان.
وأضافت أن الرئيس الأمريكي كان يتصرف في البداية وكأنه يسيطر على مجريات الحرب التي أشعلها، إلا أن الوقائع اللاحقة أظهرت، بحسب المجلة، أنه فقد زمام المبادرة، بينما أصبحت طهران هي الطرف الذي يحدد قواعد الاشتباك ويوجه، في الوقت نفسه، إهانات متكررة إلى ترامب.
كما أشارت المجلة إلى أن إعلان ترامب عن "وقف إطلاق النار" الشهر الماضي، والذي رأت أنه ربما كان يهدف إلى تهدئة الأسواق العالمية وتجنب أي تحركات تشريعية محتملة داخل الكونجرس الأمريكي، لم ينعكس على أرض الواقع، إذ لم يتوقف أي من الطرفين عن تنفيذ الهجمات العسكرية، ما جعل الإعلان يفتقر إلى أي أثر عملي.
تصعيد متبادل وغياب لأي تهدئة
وأوضحت "ذي أتلانتك" أن التطورات الأخيرة أعادت الصراع إلى ما يشبه حرب الاستنزاف البطيئة، حيث شهدت الأيام الماضية تصعيدًا متبادلًا بين الجانبين.
فوفقًا لما أوردته المجلة، استهدفت إيران ثلاث ناقلات نفط في مضيق هرمز، بينما شنت الولايات المتحدة ضربات على نحو 80 هدفًا داخل إيران، في حين أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه نفذ هجمات استهدفت نحو 85 هدفًا تابعًا للولايات المتحدة في كل من البحرين والكويت.
وتطرقت المجلة أيضًا إلى تصريحات ترامب الأخيرة، مشيرة إلى أنه سُئل يوم الأربعاء عما إذا كانت مذكرة التفاهم مع إيران، التي كان يُفترض أن تشكل الأساس للمفاوضات بين الطرفين، قد انتهت. وبعد تردد قصير، أجاب الرئيس الأمريكي قائلًا: "هذا سؤال مثير للاهتمام، بالنسبة لي، أعتقد أن الأمر انتهى. لا أريد التعامل معهم بعد الآن، إنهم حثالة... أتعرفون ما معنى الحثالة؟ إنهم حثالة، إنهم مرضى يقودهم مرضى، وهم أناس شرسون وعنيفون."
انتقادات لاستراتيجية إدارة ترامب
واعتبرت المجلة أن مذكرة التفاهم كانت، من الناحية العملية، أقرب إلى "أداة استسلام أمريكية"، مضيفة أن الإيرانيين كان بإمكانهم صياغتها بأنفسهم، إلا أن ترامب، بحسب وصفها، كان يسعى إلى الخروج من الحرب، ولذلك وافق على توقيعها في مدينة فرساي، في إشارة رمزية إلى المدينة التي ارتبطت بترتيبات القوى المنتصرة عقب الحرب العالمية الأولى ونهاية الدولة العثمانية.
وأضافت أن إيران تدير الصراع وفق حسابات دقيقة تقوم على موازنة التكاليف والمخاطر، مع التركيز على تحقيق أهداف محددة تتمثل في الحفاظ على بقاء النظام، والسيطرة على مضيق هرمز، وصون برنامجها النووي.
وفي المقابل، رأت المجلة أن إدارة ترامب دخلت الحرب دون استراتيجية واضحة، واعتمدت على افتراضات وصفتها بالخاطئة، إلى جانب معلومات قديمة وحدس الرئيس الشخصي. ووفقًا لتحليلها، افترضت الإدارة الأمريكية، مدفوعة برغبة ترامب في حسم المواجهة سريعًا، أن النظام الإيراني سينهار في وقت قصير، وهو ما لم يتحقق.
استنزاف أمريكي وانتقادات للرئيس
وأكدت "ذي أتلانتك" أن ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي شجع الرئيس على خوض الحرب، تجاهلا سنوات من الدراسات العسكرية والتقديرات الاستخباراتية، قبل أن يفاجآ بإقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، وهي الخطوة التي وصفتها المجلة بأنها كانت متوقعة وكان من الممكن لأي مراقب أن يرجح حدوثها في مثل هذا السيناريو.
وأضافت أن الإدارة الأمريكية حاولت بعد ذلك الخروج من مأزق الحرب عبر تكثيف الضربات الجوية، إلا أنها، في ظل غياب القدرة على فرض السيطرة البرية، باتت تستنزف مخزونها من الذخائر عالية الكلفة دون تحقيق تأثير استراتيجي ملموس على مجريات الصراع.
واختتمت المجلة تحليلها بالقول إن تصريحات ترامب الأخيرة لا تعكس صورة رئيس يمسك بزمام حرب ويديرها، بل تكشف، من وجهة نظرها، عن رئيس يتخبط في أزمة تفوق قدرته على إدارتها، ويجد نفسه مضطرًا للتفاعل مع الأحداث المتسارعة بدلًا من توجيه مسارها.

